مشاهدة النسخة كاملة : أحزانُ شجرةِ التفاح


دلال
11-21-2009, 11:41 PM
قلت: انتظر، انتظر لعلني أعود فيك كما كنت قبل عقدين أو أكثر، قبل شجرتي زيتون، فقد كبرت، هرمت، صار عمري اليوم ألف شجرةِ زيتونٍ كنعانيةٍ، صرت أكبر من الزمان

http://www.bokra.net/includes/templates/images/bokra/tr_articles.gifhttp://www.bokra.net/includes/templates/images/bokra/tl_articles.gifhttp://www.bokra.net/images/news2008/18032009150020.jpg (http://promax2.com/forum/j<strong></strong>ZoomPic('?cGF0aCUzRGFydGljbGUlMjZzZWMlM0RwaWN6b29t JTI2aWQlM0QyOTk0OTYlM0I%3D');)
http://www.bokra.net/includes/templates/images/bokra/zoom.gif (http://promax2.com/forum/j<strong></strong>ZoomPic('?cGF0aCUzRGFydGljbGUlMjZzZWMlM0RwaWN6b29t JTI2aWQlM0QyOTk0OTYlM0I%3D');)http://www.bokra.net/includes/templates/images/bokra/br_articles.gifhttp://www.bokra.net/includes/templates/images/bokra/bl_articles.gif
http://www.bokra.net/includes/templates/images/bokra/t.gif
لا شيء يتعب الطريق سوى خطاي فوقها، لكن لا غياب الشمس يحزنني ولا شروقها يسعدني، فقط الانتظار يجعلني أغدو كارها لنهارٍ أخر يأتي. كظلٍّ ينتظر شجرته حينَ تخرجُ الشمس من خلفِ الأفق ليلتصق بها، أنتظر حضورك، وكالتصاق صورة الشمس بوجه البحر، أسعى لآن ألتصق بكِ.

لا القمر في منتصف شهره يفرحني ... ولا غيابه في بدايات شهره يؤلمني، فقط الحنين الدائم يجرحني، والماء في شفافيته يكسرني، والسحاب في حركته يؤنبني، وأنا لا أجد وسيلة في كل هذه الانفعالات سوى أن أهرب لنفسي، أن أعدو كقطٍ بري وسط الصحراء، أركض مسرعاً في ثنايا نفسي... لكنني كلما وصلت إلى النهايات لا أجدني.

أنا المخذول من نفسكِ ومني كلما فتشت عن وجهي في المرايا وجدتك، وكلما لمحت في الأفق البعيد طفلاً يلهو رأيت ملامحي الأولى فيه، ركضت نحوه... ناديته بإسمي فلم يجبني.

قلت: انتظر، انتظر لعلني أعود فيك كما كنت قبل عقدين أو أكثر، قبل شجرتي زيتون، فقد كبرت، هرمت، صار عمري اليوم ألف شجرةِ زيتونٍ كنعانيةٍ، صرت أكبر من الزمان، أي زمان، وكل زمان، فكيف أعود مثلك اليوم؟

لماذا كلما نظرت في وجه طفل رأيتني، ذلك الطفل الذي يحملُ ملامحي، لا يعيرني أي اهتمام، وأنا على يقينٍ بأنه "أنا"، "أنا" قبل أعوامٍ كثيرةٍ مضت، تلك البراءة هي براءة أمسي، لا قسوة هذا اليوم، تلك العفوية هي عفوية الماضي، لا حدية اليوم، كل ملمحٍ فيه هو مني، كل ما فيه أنا قبل زمنٍ لكنه لا يريدني، يخشى أن ينظر لمستقبله في وجهي، فيرى كل تلك الجدية والقسوة والحدة، فضّل الطفل الاحتفاظ ببكر تجربته ويمضي.

فأركضُ بلا همٍ ولا فكرة تؤرقني، لا أسئلة حول الوجود تتعبني ولا أمل بغدٍ أفضل يداعبني، ولا القضايا الكبرى في هذا الكون عادت تشغلني، فقط أبحث عن فيء غيمه، فقط أريد الركض تحت فيء غيمه صيف عاديّة، وحين أفيق في الصباح أتحدث إليّ. ليس هذا صوتي ولا هذا صوت زفيري، ولا حتى هذه سعالاتي ولا انفعالاتي...

حتى سجائري تغيرت، لون العلبة تغير من أحمر لأزرق. أحب اللون الأزرق أحياناً لأنه يشبه السماء البعيدة والماء في البحر، نعم يشبه الماء في البحر، وليس البحر لأن لا شيء يشبه البحر.

لكن حتى البحر، "بحري" قد تغير وأنا لم أعد أنا، والصور على الجدران التي علقتها قد تبدلت
أو بدلها أحدهم متعمداً سرقة ذاكرتي، مريم المقدسة تحتضن طفلها كانت هنا في الوسط قبل قليل،

قبل نومي، وصورةُ حصانٍ يعدو سريعاً أيضاً بقربها كانت، وأخرى لي في طفولتي أركب حصانا خشبياً كانت في الأسفل. كلها قد صارت أخرى وبعضها صار مكانه فارغاً.

لا يمامة تقفُ كالعادةِ على الشباكِ تنوح، ولا أغصان شجر زيتون تداعب زجاج نوافذي، أنا وكل ما في الكون قد تبدل.

وذاكرتي، أيضاً ذاكرتي فقدتُ أشياءً كثيرةً منها، ربما أهمها ...

لم أعد أذكر ماذا كان اسمي، ربما "هدهد"، ربما غريب، أو ربما مفتاح أو مصباح، أو عبد الفتاح.
نسيت حتى اسم حبيبتي، ربما كان اسمها يشبه شجرة التفاح، ربما كانت هي شجرة تفاح خذلها الانتظار، أو خذلتها أنا ...

أو خذلها رجلٌ من قبلي لا أعرفه، أو نسيت أيضاً اسمه.... كل ما أعرفه أنه كان من قبيلة كبيرة لا أعرف اسمها، خرجت من تناحراتها وصارت مدنية، يأكل أبنائها بالشوكة والسكين.

قال لها: احبك صامدة واقفة مثل الشجرة.

قالت له: سأصير إذا شجرة، فصارت شجرة تفاح، وذهب هو، وجاء الربيع فأزهرت، والصيف فنضجت، والخريف فتعرت، والشتاء فبردت واقشعرت، ولم يأتي الذي خذلها فبقيت وحدها عارية في الشتاء تنتظره.

جئت أنا ذات يومٍ وعصافير الصباح، أو هبطت على أغصانها فجأة، وقفنا على أغصانها فتدفأت بريشي، ومنذ يومها صرنا أصدقاء.

وحين موعد هجرة الطيور التالية حلقتُ بعيداً وبقية الطيور وتركتها تواجههُ خذلاناً أخر وحدها، بقيتْ وحدها في الحقل، في الطريق، في السهول الممتدة على مرمى البصر، في الغابات الضيقة، في المدن الكبيرة والصغيرة، في مضارب البدو، في مزارع الفلاحين، في مخيمات اللاجئين، شجرة التفاح وحدها تنتظر ربيعاً أخر لتزهر.

سلمان الهاملي
11-27-2009, 05:27 AM
يعطيك العافيه على المجهود الرائع والموضوع الاروع َ


تقبلي مروري وتحياتي لـك َ


سلمان الهامليَ

متعب الهاملي
11-27-2009, 07:13 AM
مشكوه ع الموضوع اختي
لك مني اجمل تحيه
تحياتي لكـ

دلال
12-14-2009, 08:10 PM
مشكورين ؛

الله يعافيكم

دلال.